من السويقة إلى الحداثة

إسحاق شارية*

كثيرون بعد انتخابي أمينا عاما للحزب المغربي الحر، أصبحوا يتساءلون عن سيرتي الذاتية، في سعي حثيث للبحث عن جواب مسبق لمواقفي من قضايا عديدة وأهمها قضية الحداثة، التي تؤرق النخب المغربية أكثر من قضية توفير الخبز لأطفال جبال المغربي المنسي، وهكذا سعت فئة إلى التضخيم والنفخ فيها حتى يلبسوني لباسا أنا دونه، ومنهم من يسعون لتحقيرها تكريسا لنظرة احتقارية لأبناء المناطق غير النافع حسب منظور البرجوازية الريعية التي لا تقبل أي شريك جديد في الصالون السياسي بالرباط باستثناء أبناء نفس العائلات وأصحاب النفوذ.

وعليه قررت أن أشارككم جزءا من سيرتي الذاتية والتي تعتبر الرافد الحقيقي لنظرتي للحداثة كما تراها النخب المخملية في قاعات الفنادق الفاخرة، لقد ازددت في الفاتح من يناير من سنة اثنين وثمانين بإسم ذو مرجعية عبرية، وهو أمر لعبت فيه الأقدار الإلهية دورها الرئيس حتى أحيا في احترام للمكون اليهودي ويكون عيد ميلادي متزامنا مع احتفالات أعياد الميلاد السنوية فيصبح مفروضا علي أن أشارك احتفالاتهم وفرحتهم، ليس نفاقا أو حداثة مصطنعة بل ضرورة للتعايش المشترك والتسامح بين الحضارات حتى يحتفلوا معي كذلك بحفل عيد ميلادي او بالأحرى حتى يبادلني المسيحي واليهودي نفس الفرحة في احتفالاتي الدينية او العقائدية، وكذلك من حسن القدر أن أولد بمدينة تطاون وهي المدينة المتجذرة في عمق التاريخ المغربي بتعدد روافدها الأمازيغية والأندلسية والعربية والعبرية، وهي المدينة كذلك التي كانت في طلائع المدن المقاومة للإستعمار الإسباني وفي طلائع النخب التي شكلت النهضة الثقافية والسياسية المغربية في حقبة ما بعد الإستقلال، وهي كذلك المدينة التي بقيت محافظة على مجموعة من القيم المغربية الأصيلة خصوصا في أحيائها القديمة والتي ظلت بفضل أبوابها الضخمة عصية على موجات الحداثة غير المتلائمة مع الهوية والحضارة الموروثة عن الأجداد، وفي هذه الأحياء الضيقة التي تنبعث من أركانها روائح الرطوبة الممزوجة بأشهى الأطباق، وبعبق التاريخ المشرق.

لقد كنت أخطو خطواتي الأولى من دار شارية في درب السويقة الملاصقة للجامع الجديد حيث يكسر صوت الآذان وأصوات أوراد الزاوية وقرائة السلكة كل حديث، وهي دار عبارة عن رياض مصغر بالفوقي والسفلي والمخزن والسطح المشترك، كنا نعيش فيها مع جدي وجدتي من الوالد حيث من المفروض تقبيل اليد والصمت في حضرتهم احتراما وتوقيرا، ورغم أشكال الشغب والمشاكسة وحب الإستطلاع التي طبعت حياة مراهقتي من الشغف بكرة القدم إلى معاشرة بائعي السمك بالتقسيط في حي المصداع، إلى تربية الحمام، إلى الشجار بين الأحياء، إلا أن القاسم المشترك لأقراني من أبناء الدرب بل لجيل الأحياء القديمة كان هو تقاسم مجموعة من القيم المشتركة، فأختنا هي أخت الجميع ولا يجوز تماما التحرش بها أو مضايقتها، والكذب هو تعبير عن الجبن وهو أمر مشين، والرجولة هي ليست تعبيرا عن تفوق جنسي بل حمولة من المواقف الواجبة حتى تنال شرفها، والأم والجدة شبه مقدسة، والنميمة والغيبة ممنوعة، والتعاون والتآزر واجب، والحشمة والستر والتسامح ركيزة، وغير ذلك من المبادئ الكثيرة والغنية المنقولة بطريق الممارسة والحكي جيلا بعد جيل، وقد بقيت حياتنا هادئة وتتطور بشكل طبيعي إلى حين نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية حكومة التناوب التوافقي، لتنطلق هجمة الحداثة على القيم المغربية، وتبدأ حملة تحطيم الأخلاق بطريق القوة والعنف الفكري حتى أصبح جيلنا يخجل من التعبير عن موقف مستنكر لدعوات الدفاع عن الشذوذ، أو دعوات الدفاع عن جنس المحارم، وتشجيع العنوسة والتحرر الأخلاقي، ونبذ اللغة العربية باعتبارها لغة الحضارة والقيم، وذلك خوفا من توصيف التطرف والإرهاب خصوصا بعد ان أصبغت حركات إسلاموية على معركة الدفاع عن الهوية صبغة دينية، وهو ما جعل المعركة غير حقيقية فالصراع ليس دينيا، بقدر ما هو صراع حضاري وثقافي بين فئة وانا منها تدافع عن هويتها وثقافتها المتجذرة، وبين فئة المغتربين الجدد الذي يسترزقون بمواقف لقيطة عن المجتمع المغربي وغريبة عنه، كالفرنسة والحداثة الجنسية، والقطع مع مبادئ الأجداد، والدفع بالمرأة لتكون سلعة دون أية حمولة أخلاقية،  تحت لافتة التحرر، والدفع بالرجل للتخلي عن رجولته بحقنه بمصل التأنيث والأنوثة، وكل ذلك مقابل استجداء رضى منظمات دولية وتمويلات أجنبية، ليجد المواطن المغربي الأصيل نفسه يتيما دون مدافع طاهر وصادق، وهو ما أنتج جيلا مشوها ومعاقا من قبيل جيل روتيني اليومي، وجيل الفضيحة، وجيل التفاهة.

وهنا أرجو من الحزب المغربي الحر وقياداته الشابة،  خصوصا بعد مصادقة أبنائه على ورقته السياسية وتجديد العهد في ميثاق مبادئه (الحراك الديمقراطي) أن يكون قد حسم في اختياراته المتعلقة بموضوع الحداثة، على اعتبار أن الحداثة التي نرجوها للشعب المغربي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون ضد قيمه ومبادئه وتاريخه وهويته وأخلاقه، وأن الحداثة الحقيقية هي العلم والتنمية والصناعة والتكنولوجيا والإبتكار، وليس الحداثة الجنسانية والمختزلة التي تنادي بها نخب اليسار المخملي في نوادي وصالونات الرباط المغلقة.