في عالم الطبيعة، كثيرًا ما نتوقع أن تكون الكائنات الحية مدفوعة بغريزة التعاون من أجل البقاء، لكن سلوك بعض الكائنات يكشف جانبًا مختلفًا تمامًا في الحياة عما نعتقده ونتصوره، ومن بين هذه الكائنات يبرز السلطعون أو الكراب، الذي أصبح رمزًا لظاهرة تُعرف شعبيًا بـ “عقلية السلطعون” أو “ Mentalité du crabe ” تخيل معي مجموعة من crabe ” السلطعون” داخل سطل مفتوح، من الناحية النظرية يستطيع أي واحد منها التسلق والخروج بسهولة. لكن ما يحدث في الواقع يثير الدهشة حيث كلما حاول أحدها الصعود، يقوم الأخر بشده إلى الأسفل، وكأنه يرفض الاخر أن ينجو وحده؟ مما يمنع أي أحد منهم من الهروب وهو ما يشبه تصرف البشر في عرقلة نجاح بعضهم البعض.
هذا السلوك، رغم بساطته الظاهرية، فانه يفتح الباب أمام تساؤلات ونقاشات عميقة حول ما يُعرف بـ عقلية القطيع. فبدل أن يتعاون الأفراد لتحقيق مصلحة جماعية، ينشغل كل واحد بإفشال الآخر، حتى لو كان ذلك على حساب الجميع.
وحسب ابراهام ماسلو” Abraham Maslow ” هناك العديد من الاحتياجات التي يسعى الانسان للوصول اليها وعدم اشباعها يصيبه بالإحباط وكذلك مشاكل نفسية نذكر منها الاكل والشرب مرورا بالحاجة الى الأمان ثم الحاجة الى التقدير وينتهي المطاف بالحاجة الى تحقيق الذات، بعد الحاجات الفسيولوجية والحاجة الى مأوى. تظهر لدى الفرد رغبات اخرى جديدة وهي: الرغبات الاجتماعية والتي تتمثل في حاجة الانسان الى الانتماء وتكوين علاقات اجتماعية سواء كانت: صداقة أو أسرية أو مهنية وأيضا الإنتماء الى أحزاب او جماعات كيفما كانت، وذلك بسبب دوافع فطرية تجبره على ذلك.
غير ان هذه الجماعة التي يسعى الى الانتماء إليها غالبا ما تؤثر على سلوكه وفقا لما ترتكز عليه من مبادئ وأفكار، فيصبح بذلك مطيعا لأوامرها دون تفكير أو وعي مسبق، محاولة منه عدم خرق القواعد التي تعتمد عليها والتي يؤمن بأنها صائبة وتمثله لكنه بدرجة الأولى هو في الحقيقة من خلالها يريد حماية نفسه وحياته وهذا ما يصطلح عليه بالقطيع الاناني.
ففي عام 1973، نشر عالم الأحياء التطوري دبليو دي هاملتون ” W. D. Hamilton” مقالته الشهيرة “هندسة القطيع الأناني ” التي فسر من خلالها أن سلوك القطيع عند الحيوانات ليس بدافع التعاون، بل هو نتاج “أنانية” كل فرد لتقليل المخاطر وخطر الافتراس عن نفسه، من خلال البحث عن مركز المجموعة، مما يُنشئ قطيعًا يبدو موحدًا ظاهريًا. لكنه في حقيقة الامر هو يسعى لخدمة مصلحته الشخصية أولا.
وقد أظهرت دراسة نظرية تجريبية أجراها “سالمون اسش “Solomon Asch ” وضع فيها ستة أشخاص تحت التجربة بهدف معرفة كيف تؤثر الجماعة على الفرد وكيف تروض سلوكه أو ما يصطلح عليه أيضا ب “التنميط الاجتماعي”. حيث قدم لكل واحد من الأشخاص الستة بطاقة على كل واحدة منها يوجد عدة خطوط وطلب منهم النظر إلى الخط المرسوم على يسار البطاقة ومعرفة أي من الخطوط المتواجدة على أيمن البطاقة تعادله طولا. وفي الواقع من بين الأشخاص الستة المتواجدون داخل قاعة التجربة هناك فرد واحد فقط كان خاضع للاختبار والتجربة أما الأشخاص الخمسة الباقين فهم متعاونون فقط، مهمتهم إعطاء أجوبة خاطئة للشخص السادس. وهنا بدأ الشخص الخاضع للتجربة بإعطاء أجوبة مشابهة لأجوبة أفراد المجموعة الخمسة رغم أنها خاطئة ظنا منه أنهم لا بد أن يكونوا على حق رغم تيقنه من جوابهم الخاطئ، إلا أنه وبدون وعي منه لم يستطع الخروج عن نمط المجموعة، لأنه وبكل بساطة أراد أن يتماشى مع الجميع وأن ينصاع لرأيهم.
وهذا دليل على أن عقلية القطيع هي أمر فطري، يهدف الفرد من خلاله حماية نفسه من الأخطار المحدقة به، مهما بدت له نفسه متفردة ومتميزة، مما يجعله يميل إلى التأقلم مع محيطه والاستسلام إلى قرارته ضنا منه انها تشعره بأمان نسبي.
فالشخص الذي يتهم مرارا وتكرارا الآخر بأنه من القطيع ربما لا يفقه أنه بدوره ينتمي لقطيع آخر يعتقد بصواب أفكاره وركائزه، فربما كان منتميا لقطيع لناد رياضي، أو لنوع غنائي، أو لقضية ما يؤمن بها، فليس بالضروري أن يكون مصطلح “قطيع” شيء يعبر عن الجهل أو تطرف أعمى، فهناك مشاريع مستقبلية وأرضية خصبة لنمو قطيع جديد بأفكار ومبادئ جديدة قادمة.
لذا ومن الناحية البيولوجية، لا اعتقد أن السلطعون او الكراب يفكر بطريقة واعية لإسقاط غيره بدافع الحسد أو الغيرة كما نفهمها نحن البشر. بل ربما أن هذا السلوك هو ناتج عن ردود فعل غريزية عشوائية: عندما يتحرك أحدها فوق الآخر، تتمسك به البقية تلقائيًا، إما بدافع التوازن أو الخوف أو التفاعل مع الحركة. لكن النتيجة النهائية تبدو وكأنها تجسيد حي لفكرة “إذا لم أنجُ أنا، فلن تنجو أنت”.
وحقيقة أن المثير للاهتمام أن هذه الظاهرة السلطعونية تجاوزت حدود البحر وأصبحت استعارة تُستخدم لوصف سلوك بشري شائع. في بعض المجتمعات، عندما يحاول شخص تحقيق النجاح أو التقدم، قد يجد من حوله يسخرون منه، أو يعيقون عزيمته، أو حتى يحاولون تكسيره باي شكل من الاشكال. وهذا النمط من التفكير يعكس عقلية ضيقة ترى النجاح موردًا محدودًا، وليس فرصة يمكن للجميع الاستفادة منها.
لكن هل هذا هو القانون الوحيد في الطبيعة؟ بالطبع لا. فهناك أمثلة لا حصر لها على التعاون والتكافل بين الكائنات. غير أن سلوك السلطعون يظل تذكيرًا قويًا بأن الصراع قد ينشأ أحيانًا داخل المجموعة نفسها، لا من خارجها فقط.
في النهاية، يطرح هذا المشهد البسيط سؤالا عميقا وهو: هل حقيقة أننا نتصرف أحيانًا مثل السلطعون في الدلو دون أن نشعر؟ وهل يمكننا كسر هذه الدائرة عبر دعم بعضنا البعض بدل إسقاط بعضنا؟
ربما لا يستطيع حيوان السلطعون تغيير غريزته، لكن الإنسان يملك ما يكفي من العقل والوعي والايمان والقلب ليختار: إما أن يكون يدًا ترفع الآخرين… أو مخلبًا يشدهم إلى الأسفل.
كتاب و رأي
نظرية السلطعون
10 أبريل 2026 - 14:20