في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتغيب فيه الكلمات الدافئة خلف ضجيج الحياة، يظلّ الاعتذار قيمةً إنسانية رفيعة، لا يمارسها إلا أصحاب النفوس الكبيرة. فبالرغم من أن الخطأ جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية، فإن الاعتراف به والقدرة على تقديم اعتذار صادق يظلّان من أرقى الأخلاق وأعمقها أثرًا. ولعلّ أول خطوات هذا الرقي تبدأ بكلمة بسيطة أرشدنا إليها النبي صلى الله عليه وسلم حين قال” خيركم من بدأ بالسلام” كلمة تنسج جسور المودة وتعيد للعلاقات المتصدعة دفئها.
ومع ذلك، لا يخلو الأمر من مفارقات، فكثرة الاعتذار قد تُضعف صدقه، كما نبّه لقمان الحكيم حين قال” إياك وكثرة الاعتذار فإن الكذب كثيرًا ما يخالط المعاذير” وفي المقابل، فإن رفض الاعتذار الصادق أو تقديم اعتذارٍ زائف يفرّغ هذا السلوك من قيمته ويحوّله من جبرٍ للخواطر إلى كسرٍ للنفوس.
ولعلّ أجمل ما يجسّد قيمة الاعتذار القصة الشهيرة عن غلامٍ صغير كان يعمل لدى أحد الامراء. فبينما كان الغلام يحمل صحن الشاي، انسكبت منه قطرات على ثوب سيده أمام الضيوف. غضب الامير، وأمر بمعاقبته فورًا. لكن الغلام، في لحظة شجاعة ودهاء، صبّ ما تبقى من الشاي على رأس سيده، ثم قال بهدوء: اسف يا سيدي، فعلتُ ذلك كي لا يراك الناس ظالمًا إذا عاقبتني على خطأ صغير، فأصبحتُ الان بالفعل أستحق العقوبة حقًا لذا فلن يلومك أحد إذا عاقبتني. تأمل الأمير الموقف، ثم قال عبارته التي أصبحت مضربا للمثل: “يا قبيح الفعل… يا جميل الاعتذار، لقد وهبنا قبيح فعلك لجمال اعتذارك. اذهب فأنت حر”.
هذه الحكاية ليست مجرد طُرفة، بل درس في أن الاعتذار ليس كلمة فقط، بل طريقة تفكير وأسلوب حياة، وقدرة على تحويل الخطأ إلى فرصة للنضج.
وليس بعيدًا عن ذلك، يروي التاريخ أن الإمام الغزالي سُئل يوما عن حكم تارك الصلاة، فقال جوابًا لافتًا وبسيطًا في آنٍ معًا: “نأخذه معنا إلى المسجد”. هكذا تكون الحكمة… لا قسوة ولا تجريح، بل إصلاح وتوجيه.
حقيقة إن تأملنا لهذه النماذج يكشف أن ثقافة الاعتذار في مجتمعاتنا الحالية لم ترق بعد للمكانة التي تستحقها. فكثيرون يرفضون الاعتذار بدعوى الكبرياء، أو يستهينون به لأنهم لا يدركون أثره. وبعضهم يرى فيه ضعفًا، بينما هو في الحقيقة قوة أخلاقية تُظهر نضج الإنسان وقدرته على مواجهة ذاته. “والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هو أثر عدم الاعتذار على تقرير مسؤولية الشخص عن خطئه الذي تسبب في اضرار للغير؟ هنا يمكن للبعض منا وخصوصا القانونيين تداول مسألته من الناحية القانونية والسياسية”
لهذا وجب علينا ان ننظر إلى مخرجات الكلام كيف نتكلم وكيف نعتذر ونفسر الأمور ونوضحها للآخرين بأسلوب يقع عليهم وقعا هادئا بحيث يستطيعون استيعابه بكل أريحية حتى ولو كانت أمور سيئة في فعلها، لإن الاعتذار وأسلوبه مسألة فطرية يمكن أن تتربى وتنشأ لدينا منذ الطفولة إذا ما تعلمها الفرد منا واستدركها من خصال آبائه وأجداده وما من حوله.
فماذا ينقصنا نحن عن مجتمعات الغرب رغم اختلاف ثقافاتهم، حيث غالبا ما نسمع منهم كلمة «Excuse me» و «Pardon» على أي خطأ وهفوة كيفما كان نوعهما وبساطتهما في الشارع والأسواق والمعاملات التجارية.
لذا فإذا أردنا أن نكون جادين في اعتذارنا، يجب علينا تجنب بعض الأسباب التي تحول دون ذلك نذكر من أهمها: أولا فجوة الأهمية “حيث عادة ما يتجه المذنبون لتبرير خطأهم ووصفه بأنه غير متعمد”، ثانيا عدم الاهتمام ” إذا لم تكن مهتمًا فلن يكون هناك ما يدفعك للاعتذار”، ثالثا التكبر وعدم القدرة على الاعتراف بالأخطاء الشخصية، وأخيرا ارتفاع حب الذات “وهي الصفة التي تجعل من صاحبها يرى أن الاعتذار يمنح الضحية الفرصة لتضخيم الخطأ وهي ثقة زائفة”.
لهذا فنحن بحاجة كبيرة لنشر أسلوب وطريقة الاعتذار في مجتمعنا، كما يجب علينا تربية أبنائنا وتعويدهم وتعليمهم كلمات ومفردات وأساليب التواضع والاعتذار. وكما يقولون دائمًا أن الاعتذار من شيم الكبار. فمثلاً الأنبياء كانوا يعتذرون عن أي خطأ يرتكبونه، نذكر منهم: سيدنا آدم عليه السلام حين” اعترف بذنبه عندما أخطأ هو وزوجه بعد أن أكلا من الشجرة المحرمة حيث {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وكذلك سيدنا موسى عليه السلام عندما {قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي} [القصص: 16]. أما إبليس قبحه الله فلم تكن من شيمه أساليب الاعتذار، لذا تلقى غضب الله إلى يوم البعث. وهذا ما لا نرغب فيه سواء لشخصنا أو من نحب. لذا فنحن في أشدِ الحاجة لغرس وتعميق هذه الثقافة في مجتمعنا وفي بيوتنا إذا أردنا النهوض والتقدم والتطور والرفعة لديننا ولوطننا ولمجتمعنا. فالحياة أسلوب وليست تصيد عيوب فبين كسب وكسر القلوب خيط رفيع، وبين قبح الفعل وجمال الاعتذار تتحدد ملامح إنسانيتنا واخلاقنا.
كتاب و رأي
قُبح الفعل وجمال الإعتذار
19 ديسمبر 2025 - 14:59