أعلنت الهيئة الوطنية للعدول دخول مهنة التوثيق العدلي مرحلة تصعيد غير مسبوقة، احتجاجا على الصيغة الحالية لمشروع القانون رقم 16.22، معتبرة أنه لا يستجيب للتوافقات المهنية التي تمت بلورتها خلال سنوات من الحوار مع وزارة العدل.
وكشف الدكتور يوسف آيت الحو، رئيس المجلس الجهوي لعدول استئنافية الرباط، خلال ندوة صحفية ولقاءات تواصلية انعقدت في فبراير 2026، أن العدول لم يعودوا يشعرون بالأمن المهني في ظل ما وصفه بـ“انتكاسة تشريعية غير مسبوقة”، مؤكدا أن النص الحالي يتضمن مقتضيات اعتبرها “كوارث قانونية” تمس حقوق المواطنين قبل المهنيين.
ولوح آيت الحو بخيار الاستقالة الجماعية في حال عدم الاستجابة للمطالب المهنية، مشددا على أن هذا الخيار أصبح واردا بقوة إذا استمرت الحكومة في اعتماد الصيغة الحالية للمشروع دون تعديل.
ودعت الهيئة إلى خوض إضراب وطني شامل عن تقديم جميع الخدمات العدلية يومي 18 و19 فبراير 2026، كخطوة إنذارية أولى، مع التلويح بمحطات احتجاجية تصعيدية أكبر في حال استمرار ما اعتبرته “تجاهلا ممنهجا” لمطالب المهنة.
وأوضح رئيس المجلس الجهوي، أن مسار الحوار مع الوزارة الوصية امتد لأكثر من 14 سنة، تعاقب خلالها خمسة وزراء، بهدف إخراج نص قانوني حديث، غير أن المهنيين فوجئوا – بحسب تعبيره – بحذف عدد من التوافقات المتوصل إليها، وإدراج مواد جديدة لم تكن موضوع اتفاق، ما اعتبره تراجعا عن مخرجات الحوار التشاركي.
وانتقد المتحدث مقتضيات المادة 51 من المشروع، التي تُلزم العدل بالتحقق من تمتع الشاهد بحقوقه المدنية، متسائلا عن الوسائل القانونية المتاحة لتحقيق ذلك، ومحذرا من انعكاسات هذا الإجراء على حقوق المتقاضين.
وسجل تحفظه بشأن المواد 67 و68 و69 المتعلقة بشهادة اللفيف، خاصة اشتراط عدم قرابة الشاهد إلى الدرجة الثالثة، معتبرا أن ذلك سيؤدي عمليا إلى تقليص نطاق هذه الشهادة وضياع حقوق مرتبطة بالأنساب والأملاك.
وسجل آيت الحو ما اعتبره تناقضا في المشروع، إذ يُحمّل العدل مسؤولية تحقيق النتيجة في نقل الملكية، دون تمكينه من آلية “حق الإيداع” عبر حساب مهني أو عبر صندوق الإيداع والتدبير، مؤكدا أن حرمان العدول من هذه الآلية يشكل تمييزا مقارنة بمهن توثيقية أخرى ويمس بمبدأ تكافؤ الفرص والأمن التعاقدي.
كما عبر عن رفضه للإبقاء على ما وصفه بـ“التبعية” لمؤسسة قاضي التوثيق، مطالبا بفك هذا الارتباط، ومعترضا على توجه يرمي – حسب قوله – إلى حصر اختصاصات العدول في العقارات غير المحفظة، معتبرا ذلك تكريسا لاحتكار جهات أخرى للعقار المحفظ.
وانتقدت الهيئة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، متهمة إياه بعدم الوفاء بالتزامات سابقة وبالتراجع عن صيغ توافقية دعمتها فرق برلمانية من الأغلبية والمعارضة قبل إدخال تعديلات في “الدقيقة الأخيرة”.
وشدد آيت الحو على أن التوثيق العدلي، الممتد تاريخه لقرون في المغرب، يشكل جزءا من الهوية القانونية الوطنية، معتبرا أن أي تعديل يمس جوهر المهنة ينبغي أن يتم في إطار توافق مهني ومؤسساتي واسع.
وختم رئيس المجلس الجهوي تصريحه بالدعوة إلى تدخل رئيس الحكومة لسحب المشروع أو تجميده وإعادته إلى طاولة الحوار، مؤكدا أن العدول أمام خيارين: إما تعديل النص بما يضمن كرامة المهنة وحقوق المواطن، أو المضي في خطوات تصعيدية قد تصل إلى الاستقالة الجماعية.